Skip to content

فيلم “وجدة”.. التمرد على الخضوع الأنثوي

January 3, 2013

Image

 

دبي : خالد ربيع

لا تكمن أهمية فيلم “وجدة”، الذي عرض في الدورة التاسعة لمهرجان دبي السينمائي ونال جائزة أفضل فيلم، في القصة البسيطة التي بثتها كاتبته ومخرجته “هيفاء المنصور” عن طفلة تتمنى إمتلاك دراجة هوائية وتسعى لإقتناءها رغم معارضة والدتها ومعلمتها بواعز تحريمي لدى مجتمع قبلي محافظ يرفض مثل هذه الأمنيات التي لا تصلح للإناث(!).

لكن الفيلم يتكامل بعناصره الفيلمية المجودة في سيناريو مشغول بإحترافية عالية وإيقاع زمني متماسك وزوايا تصوير خارجية وداخلية مختبرة، ومونتاج وأزياء ومؤثرات صوتية متقنة… ،فكل ذلك يأتي في كفة وبما بثه من موضوعات كاشفة لبعض مما تعانيه المرأة السعودية من الفكر الذكوري يأتي في كفة أخرى، لا سيما الذي تساهم به المرأة السعودية بنفسها في تكريسه، وفي تحنيط ذاتها في قوالبه العتيدة التي لا تريد الخروج منها، بل وتستسلم لها بكل خنوع ورضوخ، وتنميها وتربي أجيالها القادمة عليها.

فالمخرجة المؤلفة “المنصور”عالجت موضوعات عميقة بخفة فنية ضمن أسلوب إخراجي يبتعد عن الميلودراما التضخيمية، ويقترب كثيراً من واقعية عصرية أو ما يمكن تسميته بسينما شخصية متخففة من حمولات المباشرة والشعاراتية الفجة، والمتأسسة على دوافع سلمية غير صدامية، محبة للبيئة والحضارة والثقافة الآتية منها، وهي كذلك محققة لرؤية تنهل من الشخصي (غير السِيَّرَي أو الذاتي) المتداخل مع المحيط البيئي العام. الأمر الذي يمكن تلمس سماته في أسلوبها الإخراجي، بكيفية تشي بإستشفاف تأثير مخرجي أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة عليها أمثال: “فيتوريو دي سيكا”، “فرانشيسكو روزي” و”روبيرتو روسيليني” المندمجة مع تيار الواقعية الإيرانية الجديدة لعائلة مخملباف وكيارستمي وبناهي وغبادي ومجيد مجيدي..، والمنصور إذ تسرد قصة وجدة في الزمن الراهن ترجع، كما يبدو، في بعض التفاصيل الى حياتها الخاصة وذاكرة طفولتها، ففي أحد مشاهد الفيلم يشعر المشاهد وكأن الزمن يعود الى بدايات التسعينات أو بالأحرى الى سنوات طفولة المخرجة، حيث كانت تُسمع الأغنيات عن طريق الأشرطة الكاسيت، ـ لا سيما أغنيات طلال مداح وما يمثله في الذاكرة الشعبية من زمن مشحون بالشجن في الثمانينات والتسعينات ـ ويتم تبادل التعبير الشعوري والتهنئات عن طريق البطاقات البريدية والرسائل الورقية، في حين أننا نعيش في زمن التواصل الإلكتروني.

إذن من خلال أمنية وجدة (الطفلة وعد محمد) نلتقي بوالدتها (الممثلة ريم عبدالله) الموظفة المجسدة لنموذج متنامي للمرأة السعودية المعاصرة الواقعة تحت ضغوطات تدرك هي سطحها، لأنها تمس حياتها اليومية ولا تدرك عمقها لأنها منغمسة في خضمها الجارف، لذلك تقف متماهية مع حراكها، دون أن تفكر في نبذها.. أم وجدة تدرك معاناتها مع السائق الذي يتحكم في وقتها، ولا تفكر للحظة واحدة أن تستبدله أو تقوم هي بسياقة سيارتها إذعاناً منها للواقع وخضوعاً لما تمليها عليها الأعراف السائدة، وفي ذات اللحظة تدرك وتعيش حالة رهابية من أن يتزوج أبو وجدة (الممثل سلطان العساف) عليها، وتعرف أن والدته تبحث له عن عروس، دون سبب أو نقيصة تستوجب ذلك، سوى الرغبة الأنثوية السادية من أم الزوج والزوج نفسه في سحق وتحطيم نفسية الزوجة، أو لإثبات الفحولة والثراء للتباهي في محيطه. هي أشياء عميقة تتم في الخفاء لا يدركها سوى أبناء المنطقة، وربما ليس لديهم تفسير لها.. تقف أُم وجدة موقف سلبي مستسلم لكل ما يدور حولها، حتى تذمرها تعبر عنه ببرود وكأنها مسلمة رافعة رايتها البيض لكل ما يجري.

أُم وجدة إذن لا تتخذ أية تدابير لإيقاف بحث أم زوجها عن عروس لإبنها، ولا تحاول نزع الفكرة من رأس الزوج، بل تسأل القدر متى سيتم ذلك؟ لأنها تعي أن عادة الزواج المتعدد أصبحت مستشرية، يمارسها الذكور بمساعدة الإناث، رغم حالة الحب الهادئة التي تعيشها مع زوجها. لكن ذلك السلوك يخضع لحسابات أخرى تجوس في الثقافة الذكورية التي تتخذ من الإرهاب النفسي الممارس على المرأة طريقاً آخراً لإخضاعها وتذليلها، بدافع منطلق من رخاوة وهشاشة التركيبة السيكولوجية الأنثوية المعقدة، التي لا تخلو من بقايا ثقافة إذلال الإماء والسبايا والنساء بشكل عام، تلك الموغلة في الإرث الخفي لثقافة “الحريم” في الجزيرة العربية.. الفيلم لا يقول ذلك بصريح العبارة، لكنه التحليل الأنثربولوجي الذي يشير إليه، إذ تفسر كثير من الظواهر والسلوكيات التي ينتهجها الرجال والنساء تفشي الذكورية الجاثمة على الحياة الإجتماعية.

وفي خضم ذلك تظل “وجدة” متمردة بعفوية على هذه الأعراف، وتحث والدتها على إقتناء(الفستان الأحمر) الذي شاهدته وتمنت إرتداؤه، ليس لأنه سيعجب والدها ـ كما ترجو الأم ـ بل لأنه جميل عليها، وفي ذلك تحريض رمزي للتمرد على الخضوع وتحقيق الذات الذي تدركه الطفلة بفطرتها المتطلعة، مثلما تمنت إقتناء “دراجة” لتلحق وتتغلب على صديقها(الذكورية) إبن الجيران عبدالله( الطفل عبدالرحمن الجهني)، في رمزية لمّاحة لشق طريق الحرية بوسيلة (دراجة خضراء) مسالمة.. ويدرك عبدالله هذا التوق للحرية ويباركه بفطرته البريئة فيقول لوجدة: “ترى إذا كبرت بتتزوجيني”.

في مسار آخر من الفيلم يدخل المشاهد الى مدرسة البنات ويقف على عينة من الممارسات الضاربة في الرجعية والتجهيل الذي تكرسه المعلمات. فالأستاذة حصة مديرة المدرسة(الممثلة عهد كامل)، نموذجاً لفئة من المعلمات اللاتي يمعّن في ترسيخ الذكورية وتثبيت الخضوعية الأنثوية، ودون شك يعاني الأهالي المتفتحين من تعليماتهن بسبب تدخلهن في تربية بناتهم وفق محددات صارمة تستقي عناصرها من التقاليد البالية المجيرة دائماً بإسم القيم المحافظة، بخلفية مؤكدة من (الدين) المشوشر و(التدين) المغلوط.

وفي كل الأحوال، تضع هذه المفاهيم جل تركيزها على فداحة الخطر الذكوري المتوهم بما يمكن أن يلحق بالمرأة جراء التعامل مع الرجل أو حتى الإختلاط به.. هنا نتذكر فيلم “اليوم الذي أصبحت فيه امرأة” للمخرجة الإيرانية مرضية مخملباف، إذ تتشابه ـ الى حد ما ـ فكرة بلوغ الفتاة السن الذي ينبغي عليها فيه أن تحتشم وتتوارى وراء العباءة وغطاء الرأس والوجه لأنها أصبحت امرأة ولم تعد طفلة. نتذكر ذات الفتاة وقد إنخرطت في سباق بالدراجات بينما يحاول رجال القبيلة ثنيها على الإستمرار فيه.. ثم نتذكر فيلم “حالة تسلل” للمخرج الإيراني جعفر بناهي عن الفتيات اللواتي رغبن في حضور مبارة كرة القدم في الملعب مع الرجال.

على هذا النحو يتعرض الفيلم بذات الخفة الإيحائية للبرغماتية والفكر النفعي الذي بات يهيمن على التعاملات للوصول الى الأهداف، خاصة عند الأجيال الصاعدة. فالطفلة وجدة أدركت أنها يمكن أن تصل الى مبتغاها من خلال مشاركتها في مسابقة تحفيظ القرآن والفوز بجائزتها، رغم أن دافعها ليس دينياً صرفاً، أو بسبب تفوق ففي موهبتها في الحفظ. لكنها تسعى لنيل جائزة المسابقة لتحقيق أمنيتها، فتكسب تعاطف معلمتها ومديرة مدرستها و والدتها وتجعلهن يقفون معها لتحقيق هدفها الظاهر، في حين تفاجئهن بالهدف الباطن عندما أعلنت عنه بعد فوزها… غير أن وجدة لم تلجأ الى هذه الطريقة إلا عندما وبختها مديرة المرسة من قيامها ببيع الأشرطة الكاسيت والاكسسورات التي تستهوي الفتيات ولفتت نظرها الى ضرورة تغطية رأسها وتغيير حذائها المشابه لأحذية الأولاد.. وهنا تلتمع أسئلة في ذهن المشاهد أثناء المشاهدة: هل إتخاذ الوسائل بإسم العادات المحافظة وبإسم الدين يبرر تحقيق الغايات؟.. هل يريد المجتمع أن يبدو ظاهر الأشياء دينياً لكي يمررها ويباركها؟.. لكن في تفسير آخر يمكن القول بأن ما فعلته وجدة ناتج عن طبيعة شخصيتها المتمردة والمحبة لتحقيق رغباتها، فدلالة إسم وجدة ترمي الى حالة الوجد والحب والمحبة، وهي تفعل ما تمليه عليها ذاتها التواقة.

ومع كل تلك الموضوعات المطروحة في الفيلم برشاقة وعفوية، والتي سيدرك عمقها المشاهد إبن البيئة وقد تُخفى ـ ربما ـ على المشاهد من بيئات أخرى، تظل القصة الرئيسية أنبوب لتمرير الخفايا، وتظل لطافة إداء الطفلة وعد محمد الذي نالت عنه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان دبي 2012،وأيضاً رقة وواقعية وطبيعية أداء ريم عبدالله (الذي يعد إنقلاباً على طريقة تمثيلها في الدراما التلفزيونية التي ظهرت فيها “كمانيكان” متكلف بغير أحاسيس تستعرض جمالها الشكلي في شخصيات باهتة بلغة جسد جامد ووجه ثلجي)، تظل عوامل جذب في مشاهدة الفيلم.

ينتهي الفيلم بلحظة تنوير مفاجأة وباعثة على الأمل، إذ تُحضر الأم الدراجة لوجدة وتستغني عن أمنيتها في إقتناء الفستان، بعدما تكون قد إقتنعت، دون جدل أو محاججة، بأهمية تحقيق أمنية وجدة، لأن في ذلك فتح طريق المستقبل لها، ليس لقيادة الدراجتة وتحدي صديقها عبدالله واللحاق به فحسب، بل بما يكتنف ذلك من دلالات رمزية أهم من التنافس واللعب بالدراجات.. تفعل ذلك لإيمانها، غير المصرح به، بأن المستقبل للمرأة القادمة.    

وأخيراً لا يبالغ من يعتبر أن الفيلم احتل الرقم الثاني في المنجز السينمائي السعودي الروائي الطويل بعد فيلم “ظلال الصمت” للمخرج عبدالله المحيسن، وأنه تحقق نتيجة للشراكة والدعم والصداقة التي جمعت هيفاء المنصور بالناشط السينمائي والمدير الفني لمهرجان دبي السينمائي مسعود أمر الله، في حين كفّرت شركة روتانا عن أخطائها وتجاربها االثلاث لمتواضعة في إنتاج أفلام “مناحي” ،”صباح الليل” و “كيف الحال” ولا شك في أن شركة “رايرز” الألمانية و مشروع “إنجاز” بسوق دبي السينمائي، شركاء في هذا النجاح.   

Advertisements

From → Uncategorized

Leave a Comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: